السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

76

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

واطلاع الأمم على ما سيقع منهم ، فابتدءوا بالتنزيه لحضرته المقدسة قائلين « سُبْحانَكَ » أن يكون معك آلهة أو أن يدعى غيرك أو يعبد أحد دونك كيف وأنت يا ربنا إله الكل ، وكيف يجدر بالعاجزين أمثالنا ادعاء الربوبية القاهرة لكل شيء ونحن من جملة المقهورين لربوبيتك وعزتك يا ربنا « ما كانَ يَنْبَغِي لَنا » أن نجرا على ذلك ولا على « أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ » فكيف ندعو الغير إلى ولاية غيرك ونحن عبيدك المخلصون وكيف نأمرهم بعبادتنا أو نحملهم على أن يتولوا أحدا غيرك من دونك « وَلكِنْ » يا مولانا هؤلاء هم الغافلون بطبيعتهم لأنك يا ربنا « مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ » من قبلهم بالنعم وطول العمر على ما هم عليه من الجحود والكفر « حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ » وغفلوا عن الإيمان بذكرك ولم ينتبهوا إلى من ذكرهم به من المرشدين وظنوا أن ما هم عليه حسن ، فتشبثوا به ولم يقلعوا عنه « وَكانُوا » في ذلك « قَوْماً بُوراً » 17 بائرين جمع بائر مثل عائدين جمع عائد ، وأولوه بمعنى هالك ، أي أنهم هلكوا إذ غلب عليهم الخذلان ، وذلك أن بورا مصدر وصف به الفاعل مبالغة فينوى فيه الواحد والجمع قال : فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم * وكافوا به فالكفر بور لصانعه وقال ابن الزبيدي : يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور ثم يقول تعالى للعابدين بعد أن أسمعهم قول معبوديهم على زعمهم مواجهة انظروا « فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ » من زعم هؤلاء أنهم آلهة وأنهم دعوكم في الدنيا لعبادتهم فما تقولون ؟ وهذا زيادة في التقريع والتوبيخ فيصمتون ، ثم يخاطبهم اللّه تعالى بقوله « فَما تَسْتَطِيعُونَ » الآن « صَرْفاً » أي دفع العذاب عنكم بوجه من الوجوه كما يقتضيه التنكير ، أي لا بالذات ولا بالواسطة « وَلا نَصْراً » 18 لكم ولا عونا من أحد ، أي لا أنتم ولا الذين اتخذتموهم آلهة ، فكلاكما بالضعف والعجز سواء ، وقرئ بالياء ، وعليه يكون المعنى فما يقدرون هؤلاء الذين عبدتموهم في الدنيا بصورة من الصور ولا بنوع من الأنواع ، دفع العذاب عنكم بأنفسهم